mardi 1 mai 2018

الفرق بين أسامة بن لادن و رأفت الهجان (رفعت الجمال)


في عام 1954  وصل إلى مصر العميل اليهودي "ليفي إيفرايم " الشهير بإسم جون دارلينق متخفيا في شخصية ضابط إنجليزي للبدأ في ما عرف بعد ذلك بالعملية سوزانا.  شرع في تكوين عصابة من اليهود لإفساد علاقات مصر مع بريطانيا و كانت الوسيلة المعتمدة أنذاك الحرائق و الإغتيالات بعد بضع عمليات سقطت المجموعة التي ضمت "إيلي كوهين" الذي كان له بعد ذلك قصة طويلة في دمشق ...في هذه الأثناء تمكنت مصر من صناعة مايمكن تسميته بالمخابرات السرية على يد مؤسسه زكريا محي الدين ...أما اللواء المصري عيد المحسن فايق الذي نعرفه بإسم "محسن ممتاز " فقد أخذ  على عاتقه مهمة البحث عمن اصبح بعد ذلك أخطر جاسوس مصري ...إسمه الحقيقي ...رفعت الجمــــال ....نعرفه الأن بإسم  "رأفت الهجــــــان"..وصل رفعت الجمال إلى إسرائيل بحرا في عام 1955...و بدأ يفتش عن غطاء لنشاطه السري ..وقت ذاك وقد صار إسمه في المخابرات المصرية العميل 313 ..وقت ذاك وقد صار له جواز سفر إسرائيلي برقم 146742 بإسم جاك بيتون المولود في المنصورة مصر ...هذا الذي قال بعد نكسة 1967 لرجال المخابرات المصرية في شقة في قبرص كلمته المشهورة "دا أنا إسرائيل جبتها لحد عندوكو"...هذا الذي وضع بين يدي القيادة المصرية الموعد السري الذي حددته القيادة الإسرائيلة لشن حربها على العرب عام 67 دون أن يعلم أحد ...هذا الذي تسبب في إسقاط العميل اليهودي ليفي كوهين في دمشق و كان إسمه  هناك كامل أمين ثابت و كان بصدد الترشح لإنتخابات مجلس النواب السوري دون أن يعلم أحد ...هذا الذي حرق لإسرائيل كثيرا من أغلى جواسيسها دون أن يعلم أحد ....هذا الذي نقل إلى القيادة المصرية خرائط مفصلة لخط برليف دون أن يعلم أحد ...هذا الذي نقل لمصر حتى أسعار علب الشكلاطة في إسرائيل دون أن يعلم أحد ...هذا الذي وصل إلى مراكز القرار في الحكومة الإسرائيلية دون ان يعلم أحد ...هذا الذي أصبح صديقا حميما لشمعون برسكي الشهير بسم شمعون بيريز و غولدا مائيير دون أن يعلم أحد...هذا الذي نقل أسرار صفقات السلاح جميع صفقات السلاح  العسكرية الإسرائيلية من الثمن إلى التوقيت إلى نوعية الصفقة دون أن يعلم أحد...هذا الذي كذلك توفي دون أن يعلم أحد  عاش في شارع يوشع بن نون في تل أبيب بإسم مستعار و دين مستعار و لغة مستعارة وعاش بقلبين و عقلين و سبعة أرواح .
تمكن رفعت الجمال من اللعب بكل حرية في قلب إسرائيل حتى أنه زود المخابرات المصرية بموعد العدوان الثلاثي و كذلك أطنان من المعلومات حول خط برليف حتى أن الجنود المصريين عندما عبروا القناة و قبضوا على الأسرى كان لديهم قوائم تحمل أسمء الجنود و الضباط و صورهم حتى أن الأسرى الإسرائيلين ذهلوا من مدى صحة المعلومات.
أسامة محمد بن لادن كان ترتيبه بين إخوانه رقم 17 من بين 52 أخ و أخت ..و بعد وفاة والده كانت نصيبة من الوراثة 300 مليون لادولار ..فإلتحق بالمجاهدين في أفغانستان و أسس فيلق  سماه فيلق المأسدة لمؤازة طالبان في حربها مع الإتحاد السوفياتي ...في أواخر الثمانينات تصدت فئة قليلة من المؤمنين إلى فئة كثيرة من الملحدين فكانت أفغانستان تلك القشة التي قسمت ضهر الإتحاد السوفياتي ...إحتفل الأمريكيون بإستخباراتهم ....و إحتفل السعوديون بأموالهم ...و إحتفل الباكستانيون بجيرانهم لكنهم نسوا أن تلك الفئة القليلة كانت تحتفل وحدها بولادة تنظيم القاعدة ...أسس في عام 88 تنظيما سماه قاعدة الجهاد  بالإشتراك مع ايمن الضواهري و هو موجه للجهاد ضد اليهود و الصليبيين ...أجسادهم في القرن الحادي و العشرين لكن أرواحهم في صدر الإسلام ...تمكن بن لادن من القيام بعمليات كثيرة لعل  أبرزها تفجيرات الخبر عام 95 و تفجيرات نيروبي و دار السلام و إيقاع الكثير من الضحايا ...كذلك تمكن من إحداث أضرار جسيمة بالمدمرة يو أس اس كول و قتل في هذه العملية سبعة عشر  جندي أمريكي ...و كانت أضخم العمليات تلك التي يسميها تنظيم القاعدة بغزوة منهاتن رغم ما يشوبها من شكوك التي تقول بأن الإدارة الأمريكية كانت على علم بالعملية و تجاهل تقارير العملاء   و التي سقط فيها 2973  قتيل ..و التي تلتها تفجيرات لندن (50 قتيل) و تفجيرات مدريد (191 قتيل) و و تفجيرات الدار البيضاء و تفجيرات عمان التي سقط فيها المخرج الكبير مصطفى العقاد قتيلا ..
.كل هذه التفجيرات أعطت العذر لأمريكا و الناتو للتدخل عسكريا في أفغانستان حيث سقط في الحرب أكثر من 600 ألف قتيل ..و التي تلت الغزو الأمريكي حرب أهلية لازالت تحصد الأرواح ...وأعطت لأمريكا العذر للتدخل في العراق من خلال إفتعال علاقة بين بن لادن و صدام حسين    و التي سقط فيها أكثر من مليون و نصف قتيل و 300 ألف طفل ...و إضافة إلى ما خلفته من دمار هائل و أمراض و أوبئة بسبب قنابل اليورانيوم  و سرطانات على إختلاف انواعها خلفت حرب اهلية رعناء يسقط فيها كل يوم ما يزيد  عن 50 قتيلا بين السنة و الشيعة ...هذه التفجيرات كذلك اعطت العذر لإستباحة سماء باكستان و سماء اليمن السعيد الذي أصبح تعيسا  و سماء الصومال عن طريق الطائرات بدون طيار و قتل ما يمكن قتله ممن يشتبه بهم ...تنظيم القاعدة لم يحقق نجاحات على أرض الواقع إلا في أذهان موسيسه
في مقارنتنا بين اسامة بن لادن و رفعت الجمال نحن لا نقارن بين شخصين و لكن نقارن بين تيارين للمقاومة تيار يؤمن بفارق القوى و الواقع المفروض ويؤمن بتفوق العدو العسكري و الإقتصادي و العلمي و يؤمن بأن كل مواجهة مباشرة ستكون خاسرة و يدرك تمام الإدراك قيمة العملاء و المعلومات الإستخبارية و أن  الحرب إنتقلت من حرب قعقعة السيوف إلى حرب المدافع إلى حرب المعلومات و يؤمن بان الحرب في نهاية المطاف خدعة.وتيار أخر له إيديولوجيا دينية لا يؤمن بقوة العدو الواقعية بحكم خلفيته الدينية ..يقوم على إستراتجية الإستدراج ..لا يحمل رؤية واضحة أو إستراتجية متكاملة و يرتكز على عقيدة الإستشهاد  و يصنع لنفسه أهدافا يتعلل بها العدو ليستضيف نفسه كل مرة في دولة .

تونس : تاريخ حافل بالفساد المالي


قبل أكثر من 150 سنة من اليوم نشأت علاقة بين السلطة والثروة، كانت نتيجتها أبشع عملية فساد في تاريخ تونس، شخوصها : بين أفاقين و رجال أعمال و موظفين و وزراء، أحداثها في أعلى  دوائر الحكم في تونس في ذلك الوقت و ضربها تحت الحزام. و ضحاياها أجيال مضت و أجيال تمضي و لا تزال دون حل إلى اليوم. في عام 1837 عين باي تونس في ذلك الوقت أحمد باي مصطفى خزندار  وزيرا للخزانة في تونس  (وزير المالية)، حضي الرجل بحضوة كبيرة لدى الباي ساعدته بعد ذلك على تنفيذ جميع مخططاته. لكن طموحات مصطفى خزندرا كانت في حاجة إلى رجل ملم بعالم المال و الاعمال، وذكي، و قابل لأن يدخل عالم المؤمرات و الدسائس. توفرت كل هذه الصفات في رجل الاعمال الشهير في ذلك الوقت محمود بن عياد الذي كانت تربطه علاقة صداقة حميمة بإبن الباي الذي سيصبح بايا بعد سنوات قليلة . على جبهة أخرى إستطاع محمود بن عياد الاستحواذ على جميع ممتلكات عائلته مما اضطرهم للجوء الى القنصلية الأنقليزية في مناسبتين فرارا من بطشه و كان ذلك في سنوات 1847 و 1848 . تمكن محمود بن عياد و مصطفى خزندرا من السيطرة على قطاعات كبيرة في الاقتصاد التونسي  في ذلك الوقت كما تمكنوا من الاستحواذ على أراضي شاسعة تعود ملكيتها للدولة. بدأت قصة محمود بن عياد في بداية القرن الماضي حيث كان يشغل أمير لواء وبحكم إنتمائه إلى أسرة معروفة بثرائها و صداقته الحميمة بولي العهد  أحمد باي إبن  مصطفى باي (باي تونس في ذلك الوقت) كان يزود الدولة ببعض ما تحتاجه من لوازم الزيت و القمح و الاقمشة حتى حضي بعد تقلد صديقه أحمد باي العرش بمهمة تصدير كل ما تنتجه البلاد و توريد كل ما تحتاجه، بدأت ثروة محمود بن عياد تتعاظم إلى أن ضربت في أربعينات القرن الماضي الايالة التونسية سنوات جدب فتم تكليفه بتوريد القمح من الخارج لتغطية حاجات البلاد، لكن إتفاقا سريا بين الباي و صديقه محمود بن عياد تحول بمقتضاه هذا الاخير  من موظف سام يشرف على مطامير الدولة للقمح إلى مستلزم يتولى قبول الحبوب من الفلاحين  على أن يدفع مبلغا ماليا للدولة كل عام (مثل ما يحدث في الصفقات العمومية حاليا)، كانت الصفقة التي عقدها محمود بن عياد مع الباي محمد باي بمثابة مرحلة جديدة من الفساد الكبير، حيث إستغل محمود بن عياد لزمة القمح لتكديس ثروة طائلة من خلال الغش في الميزان ، لكن أحد معاوني الباي في المطامير نقل إلى الباي ما يفعله بن عياد. شعر بن عياد بالخطر فتعلل بأنه سيسافر إلى فرنسا للمداوة من مرض ألم به، جمع الرجل صناديقه و رسومه و أمواله و كل حججه كما لم ينسى القرارات التي تثبت تكليفه بالمهام التي عهدت إليه ثم سافر  هربا إلى فرنسا في 16 جوان 1852، قدرت الثروة التي حملها معه إلى فرنسا ما يعادل 60 مليون فرناك أي ما يعادل 100 مليون دولار في ذلك الوقت ما يمثل 4 أضعاف ميزانية الدولة التونسية. هرب بن عياد و ترك صديقه الذي حصل على ترقية من الباي بعد أن تم تعيينه وزيرا أكبر  (رئيس وزراء). لاستكمال مؤمراته عين مصطفى خزندار  اليهودي نسيم شمامة  مكان بن عياد الهارب. شمامة الذي عمل خادما لبن عياد عين في منصبه الجديد مكلفا عاما بالخزينة التونسية، تمكن من تركيز مكانته في البلاط الملكي من خلال تعزيز علاقته مع وزير الباي الاكبر مصطفى خزندار الذي لم يكن ليرفض عمولات الصفقات التي يعقدها نسيم وهكذا عادت رائحة الفساد تعبق في أروقة القصر الملكي. تمكن نسيم من الحصول على عديد اللزمات مثل القمح و الزيت و المسكرات كما سيطر على عدة قطاعات أخرى مثل الملح و الفحم و الصابون الطري. إضافة  إلى ذلك تمكن من الاستحواذ على لزمة مكوس التجارة الخارجية (تحصيل الاداءات على البضائع العابرة للمواني بعقد يمتذ ل19 سنة في مواني حلق الوادي و البحيرة و صفاقس و15 سنة لميناء سوسة ) وهو ما مكنه من تجميع ثروة هائلة ، و تمكن من إقراض الدولة ما يقارب 19 مليون ريال لمجابهة عجزها المالي، الرجل البسيط المنحدر من عائلة يهودية بسيطة تختص في تجارة القماش تمكن في وقت وجيز من أن يصبح قائدا على يهود تونس.

      على صعيد أخر  و على خلفية الازمة المالية  وسؤء إستعمال ميزانية الدولة من طرف الباي أجبرت تونس على اللجؤء و لأول مرة إلى الاقتراض الخارجي من خلال قرض 1863 ، الذي كان عملية إحتيال حقيقة من الصيارفة الاوربيين  فللحصول على 30 مليون فرنك إضطرت تونس لدفع 65.1 مليون فرنك وهو ما سيدق المسمار الاول في نعش إستقلال تونس و سيادتها. هذا القرض الذي أقره محمد الصادق باي حاكم تونس في ذلك الوقت جاء من اجل هيكلة الديون الداخلية التي تضخمت،  لكنه تبخر بين عمولات و فساد و رشاوي ، فوجدت الدولة نفسها  بعد سنة بين مطرقة الديون الداخلية و سندان الديون الخارجية. مصطفى خزندار الذي تسبب في ضياع القرض إقترح على الباي نقل الفاتورة إلى الشعب بزيادة الضرائب، لكن هذا الاقتراح الذي وافق عليه الباي كانت له نتائج وخيمة على القصر الملكي بعد إندلاع إنتفاظة علي بن غذاهم الشهيرة . إنتفاظة كانت أهم مطالبها التراجع عن الزيادة في الضرائب كما وجهت أصابع الاتهام إلى مصطفى خزندار و نسيم شمامة . سافر نسيم سمامة الى باريس في جوان 1864 و كان في مهمة من طرف الباي يطلب فيها سلفة مالية جديدة من الحكومة الفرنسية و لكنه هرب بعدما حمل معه جميع سجلاته و إثباتات ديونه و ذهبه، وقدرت الثروة التي حلمها معه ف ذلك الوقت ب27 مليون فرنك. بعد هروب نسيم شمامة إلى باريس أسند الباي مهمة رئيس القباض إلى إبن أخيه "شلومو  شمامة"، و مرة أخرى يعيد السيناريو نفسه فبعد بن عياد و شمامة، تمكن شلومو و خلال سنتين فقط من جمع ثروة هائلة بإستغلال منصبه الذي مكنه من السيطرة على عدة قطاعات كانت مركزية في إقتصاد الايالة، وفي سنة 1866 فر شلومو إلى جزيرة "كورفو" حاملا معه 10 ملايين ريال من أموال الدولة في ذلك الوقت.

         على الجانب الاخر إختار الباي و وزيره الاكبر مرة أخرى الهروب إلى الامام بعدما تم قمع الانتفاضة بشكل عنيف و غير مسبوق ، فأقر الباي قرضا جديدا  سنة 1865 بنسبة فائدة عائلة وصلت إلى 9.21 بالمائة. لم يساهم هذا القرض في حل الازمة بل عمقها أكثر ، ووصلت ديون تونس الخارجية إلى أكثر من 125 مليون فرنك.  إرتفاع حجم الديون و ضخامتها و عدم قدرة الدولة على سدادها في ذلك الوقت دفع فرنسا للضغط على الباي من اجل إعلان إنشاء الكومسيون المالي و ذلك يعتبر أولى مراحل إحتلال تونس. أشرف الاصلاحي خير الدين التونسي  على رئاسة الكومسيون و بعد تحقيق دام أشهر تمكن من التعرف على كثب عن حجم الفساد الذي كان يمارسه مضطفى خزندار ، ، فشكل الباي مجلسا لمحاسباته فإستنجد مصطفى خزندار بسفير فرنسا لكن الاخير رفض نجدته ما إضطره  إلى طلب الصلح من الحكومة بمرارة التي صالحته مقابل دفع 25 مليون فرنكا كما أصدر الباي أمرا بعزله.

        بقي الكومسيون غطاء لتدمير تونس ماليا تحت عباءة الاصلاح وبعد فشل محاولات متكررة من قنصل فرنسا بتونس في  إقناع الباي بالقبول بنظام الحماية قرر الفرنسيون التحرك. وفي 12 ماي 1881 إستفاق الباي محمد الصادق من نومه ليرى وجها أخر لساحة باردو، ألاف الجنود الفرنسيين بمدرعاتهم و أسلحتهم يملؤون شوارع العاصمة ، كان نتائج 30 سنة من الفساد المالي قد تجسدت و في الساعة الثامنة ليلا حصلت فرنسا على توقيع الباي على معاهدة الحماية وبذلك إنتهى إستقلال تونس.
      زواج السلطة و الثورة مكن الفاسدين من الدخول إلى القصر الملكي و شغل مناصب هامة في البلاد، مكن هؤلاء الاشخاص من إختلاس ما يعادل 5 مرات ميزانية تونس، مكن أيضا من إهداء الاوروبيين سببا لانشاء الكومسيون المالي للسيطرة على ثروات البلاد و مكن أيضا من إنهاء إستقلال تونس و لا يزال هذا الزواج إلى اليوم يقوم على مبدأ : إقترب من السلطة لتصبح ثريا.

تونس : صراع البرجوازيات


     "هذه أخطر  أزمة إقتصادية تعيشها تونس منذ  القرن التاسع عشر" هكذا لخص وزير  الشؤون الاجتماعية الاسبق محمود بن رمضان الوضع في تونس.  تونس التي أنهكها الفساد على مدى 23 سنة من حكم الرئيس السابق لا تزال تعاني اليوم جدلية الثروة و السلطة ، هذه الجدلية التي جعلت من السلطة طريقا للثروة في تونس قامت على مبدأ "كلما إقتربت من دوائر الحكم في تونس كلما زادت نسبة حضوضك في الثراء"، بدأت رائحة الفساد تعبق في أروقة القصور الملكية في عهد البايات  في القرن التاسع عشر لكنها خفت قليلا في عهد الرئيس الاسبق الحبيب بورقيبة بعد النظام  الاقتصادي الذي تم إتباعه و الذي كان يعتمد على الاشتراكية ثم التعاضدية ثم رأسمالية الدولة لكن بداية الانفتاح منذ بداية السبعينات مع وزير المالية أنذاك الهادي نويرة مكنت من بروز عدد من رجال الاعمال التونسيين ما يسمى اليوم بالبرجوزاية التقليدية أو القديمة . لكن بن علي كان مقتنعا بأن بقاؤه في السلطة لن يخدم ولن يعجب هذه البرجوازية فسعى إلى خلق برجوازية موازية وبداية من تسعينات القرن الماضي بدأت تتشكل ما سمي بعد ذلك بالبرجوازية الجديدة ، و كان عماد الطرابلسي (شقيق زوجة الرئيس السابق ) و سليم شيبوب (صهر الرئيس السابق ) أهم نجومها. إعتمدت هذه البرجوازية في تجميع ثرواتها على الابتزاز و الدخول في شركات مع رجال أعمال عن طريق التهديد و الضغط . كما إرتكزت بشكل أساسي على علاقتها برئيس الدولة في ذلك الوقت لايجاد مخارج قانونية لعمليات الفساد و السرقة الممنهجتين. كما تمكنوا من الاستحواذ على عدة قطاعات مثل قطاع الاتصالات عن طريق صخر الماطري صهر الرئيس السابق و قطاع الانتاج السمعي البصري عن طريق بالحسن الطرابلسي شقيق  زوجة الرئيس إضافة إلى قطاع العقارات  و عدة قطاعات أخرى. كما كون عماد الطرابلسي ثروته من خلال فرض عمولات على العمليات التجارية تصل إلى حدود 50 بالمائة حتى أن البعض أصبح يطلق عليه لقب "عماد 50". تشكلت البرجوازية الجديدة عن طريق بناء هرمي إعتمد  بالاساس على عامل القرب من السلطة لتكوين الثروة، فحضي أقارب الرئيس السابق بالنصيب الاوفر من الثروة، يليهم اصدقاؤهم و معاونوهم  بنصيب اقل ، يليهم  رجال الاعمال الذي دخلوا في شراكة معهم، و هكذا كلما بعدت شبكات العلاقات عن قمة الهرم المتمثل في السلطة كلما ضعفت الثروة.

       على الجانب الاخر  شجع إنفتاح الحدود و  العشرية السوداء في الجزائر  على الحدود الغربية  و حصار ليبيا على الحدود الجنوبية على بروز عدد من كبار المهربين الذين أصبحوا يمتلكون ثروات هائلة بفضل تهريب  الكثير من السلع إلى ليبيا و الجزائر .  بدؤا بتهريب الملابس المستعملة في  بداية التسعينات ، ثم توسع نشاطهم بعد ذلك  إلى تهريب الالكتورنيات و المواد الغذائية و قطع الغيار  و الذهب و البنزين ، إلى أن بداية من سنة 2006 بدأت هذه الجماعات في تهريب  مادة النحاس و التي تحتوي على هامش كبير  للربح  حيث يتم شراء الكلغ الواحد من الجزائر ب2.5  دولار  ليتم بيعه لاحقا ب7 دولار  مع إعتبار أنهم يهربون أطنانا كل ليلة بما يسمح ببناء ثروة هائلة في وقت وجيز جدا . المهربون و بعد سنوات طويلة من العمل شكلوا ما سمي في أمريكا اللاتينية برجوازية الاطراف، مواطنون عاديون بسيارات عادية ومنازل عادية لكنهم يمتلكون ثروات هائلة، حتى أن خبيرا إقتصاديا في تونس وصفهم بالفقراء الذين يملكون المال. تصدير منتجات إلى دولة أخرى أو توريد منتجات دون دفع معاليم جمركية أغرى البرجوازية الجديدة  ما سمح بتحالف لم يدم طويلا بين البرجوازية و برجوازية الاطراف، ساهم إلى حدود 2010 في  مساعدة المهربين على تكديس ثروات أخرى بعد الحصول  على غطاء  يحميهم من حراس الهدود ألا وهو الشراكة مع ما سمي "بالطرابلسية" أصهار الرئيس السابق.

       بعد الثورة سعى كل من خولت له الظروف التواجد في سدة الحكم إلى حماية الاثرياء المتعاونين معه، في 2011  أدرجت حكومة الباجي قايد السبسي قائمة باكثر من 120 إسما من رجال الاعمال المتهمين بالفساد مع النظام السابق  من الممنوعين من السفر  لكن تبين بعد ذلك أنه تم إستثناء أكثر من 150 رجل أعمال رغم علاقتهم المشبوهة بالنظام السابق، بعد فوز حركة النهضة أعلن وزير العدل الاسبق نورالدين البحيري أن القائمة تحتوي على 70  رجل أعمال فقط ، و مرة أخرى و بعد إنتخابات 2014  أعلن نداء تونس الحزب الحاكم في الانتخابات أن قائمة رجال الاعمال الممنوعين من السفر  لا تضم سوى 45 إسما. كانت عمليات الاستثثناء تتم عن طريق مدى التعاون مع السلطة الجديدة فأما من رفضوا التعاون  فظلت أسمؤهم في القائمة و أما من قبلوا بعمليات الابتزاز غادرت أسماؤهم القائمة للقيام بنفس الدور و لكن مع حكام جدد. لكن الذي لا لبس أن برجوازية الاطراف أصبحت عاملا مهما بعد المحاولات التي تقوم بها عدة أحزاب لاستقطابهم و بعد خروجهم من عالم التهريب كمصدر وحيد للثروة إلى الاستثمار في عدة مجالات أخرى و في مكان مهم مثل العاصمة ما يحيلنا إلى أن إتفاق باريس بين الباجي قايد السبسي و راشد الغنوشي سوى إتفاق على تقاسم المصالح و النفوذ بين برجوازية الاطراف و جزء من البرجوازية الجديدة الذي تمثلهما النهضة و بين البرجوازية القديمة الذي يمثلها نداء تونس، ولم تكن الحرب على الفساد سوى حرب على جزء من  برجوازية الاطراف  بدليل أن من تم إعتقالهم لهم علاقة من قريب أو من بعيد بالتهريب فيما تعج تونس برجال ألاعمال الفاسدين الذين تم إستثناؤهم .






الامم المتحدة : عندما يتأسس السلام العالمي عبر التهديد


هل فشلت الامم المتحدة في أداء دورها؟ سؤال يتبادر في أذهان الكثيرين بالنظر خاصة إلى ما يعيشه العالم اليوم وخاصة منطقة الشرق الاوسط، و لكن للاجابة على هذا السؤال لا بد من طرح السؤال التالي : ماهو دور الامم المتحدة،؟ فإذا كان دورها يتمثل في إيجاد حلول سلمية لمشاكل عسكرية عالمية، فحسب المتابعين قد فشلت المنظمة فشلا ذريعا بالنظر إلى ما عاشه العالم من السبعينات إلى اليوم ، و إذا كان دورها يتمثل في الانصياع إلى أوامر من أسسوها فذاك شأن أخر يجعلنا نصر على البحث في الظروف التي تأسست فيها المنظمة و طريقة عملها و مبادئها، لكن الذي لا لبس فيه أن دائرة الشكوك و الحيرة و التساؤلات تتسع عند الحديث عن مجلس الامن المنبثق عن الامم المتحدة فكيف يكون موقف مواطن من دولة غير عظمى عندما يرى مستقبل بلاده يتم مناقشتهه بين 5 دول عظمى تم تحديدها في مؤتمر التأسيس و منحهم حق إسقاط أي قرار أو دعمه أو ما يسمى بحق الفيتو و هم روسيا و الصين و الولايات المتحدة و فرنسا وبريطانيا  وهي  الدول الفائزة في الحرب العالمية الثانية، و لكن من كان صاحب فكرة حق الفيتو، و هل نحن حقا في حاجة إليه لبناء عالم متقدم يسوده السلام.

        في الثامن من مايو أيار عام 1945 تنفس العالم الصعداء بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، حرب كانت الاكثر دمارا و الاكثر دموية على مر التاريخ بعدما راح ضحيتها أكثر من 50 مليون شخص معظمهم من المدنيين. و لتجنب مأسي الحرب العالمية الاولى و الثانية إجتمع ممثلو 50 دولة في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة في 25 أفريل 1945، و في 26 يونيو حزيران  أعلن ميثاق الامم المتحدة و لكن برعاية 51 دولة، كانت المقدمة مؤثرة  و رومانسية" نحن شعوب الامم المتحدة و قد ألينا على أنفسنا أن ننقذ الاجيال المقبلة من ويلات  الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الانسانية مرتين أحزانا يعجز عنها الوصف ". إختار المجتمعون مدينة نيويورك للمقر الرئيسي للمنظمة كما تم تأسيس مكاتب في نيروبي و جنيف و فيينا. لكن الامم المتحدة ماكانت لتكون لو فشل إجتماع سان فرانسيسكو الذي كاد بالفعل أن يفشل بسبب سلطة الفيتو .  أصرت عواصم الدول الخمس روسيا ، الولايات المتحدة، الصين، فرنسا وبريطانيا على الحصول على سلطة تميزها عن باقي الدول، حتى أن  السيناتور الامريكي  توم كوناكلي  مزق الميثاق و صرخ في الوفود المجتمعة مهددا "إما الميثاق و فيه حق الفيتو أو لا ميثاق أصلا". خضعت الوفود  بعد ذلك حتى تم تأسيس مجلس الامن ب 11 عضوا صاروا بعد ذلك 15 بينهم 5 دائمي العضوية، يصادق المجلس على قرارته بأغلبية 9 أصوات و بإجماع الدول الكبرى. و هكذا تم تأسيس النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية . بعد ذلك بشهر وحد أستخدم حق الفيتو لأول مرة بشأن القوات الفرنسية في سوريا و لبنان. و تعتبر روسيا أكثر الدول التي إستخدمت حق الفيتو ب122 مرة، تليها واشنطن ب76 مرة لندن 32 مرة ، باريس 16 مرة و بكين 12 مرة . لم تكن هذه الارقام من أجل خدمة الانسانية أو نشر السلام أو  إيقاف الحروب بل كان بعضها بمثابة  سكب للبنزين على النار أخرها  الفيتو  الذي إستعملته الولايات المتحدة من أجل إسقاط قانون يمنع الدول من نقل سفارتها إلى القدس، إعتبرت واشنطن القانون تعد على سيادتها  رغم أن  الفقرة 3 من المادة 52 تمنعها من ذلك و التي تقول "يمتنع من كان طرفا في النزاع عن التصويت". لكن رغم ذلك لم تقتصر  سقطات الامم المتحدة على مايدور داخل مجلس الامن.

        من جانب أخر تعبق  أروقة الامم المتحدة برائحة الفساد أشهرها فضيحة برنامج النفط مقابل الغذاء.كان الهدف الاساسي من هذا البرنامج كما شرح للعموم في ذلك الوقت هو تخفيف معاناة العراقيين تحت الحصار . نظمت الأمم المتحدة هذا البرنامج بين المركز (نيويورك) و العراق ووظفت مئات الاشخاص بمعاشات مغرية . كانت تتحكم في كل حيثيات و أليات تنفيذ البرنامج على  الارض كما كان موظفوها يتمعون بحرية كاملة في التحرك داخل التراب العراقي. ووفق ما جاء في قرار الامم المتحدة فإن عائدات بيع النفط العراقي يتم تحويلها إلى حساب مصرفي خاص  يتولى إدارته مجلس الامن، كما أن رواتب الموظفين العاملين على البرنامج في الامم المتحدة كانت تشكل 3 بالمائة من عائدات النفط العراقي (تؤخذ من أموال الشعب العراقي ).  لكن الفساد دائما ما يتسلل في أكثر البرامج مراقبة، فقد كان النظام العراقي يبيع النفط بأسعار منخفضة مقارنة بأسعار السوق إلى شخصيات و شركات محددة مثل الشريكتين الامريكيتين "هاليبرتون" و  "تكساكو"، ثم تقوم  الشركات ببيعه بأسعار  السوق ما يزيد في هامش الربح، بعدها  يتقاسم النظام العراقي و الشركاء الامريكيون هذه الارباح فيما يتم تخصيص 10 بالمائة من هذه الارباح لموظفي الامم المتحدة  وكانت كل هذه التجاوزات تدور بإشراف الامم المتحدة.
بعد عملية الحادي عشر من سبتمبر  وسقوط نظام صدام حسين . نشرت صجيفة المدى العراقية  مقالا في 25 جانفي 2004 تحت عنوان "المدى تضع يدها على وثائق  أكبر عملية شراء ذمم رؤوساء و سياسيين و صحفيين و سياسيين إستلموا ملايين البراميل النفطية من صدام". ، المقال كانت بمثابة قنبلة تفجرت  في أروقة الامم المتحدة. فتح المقال الستار عن قائمة طويلة من الشخصيات  الدولية و الشركات النفطية الشريكة في فساد برنامج النفط مقابل الغذاء . لكن المفاجأة الكبيرة تكمن في  أن ثمة متورطين من بين كبار موظفي الامم المتحدة أهمهم رئيس البرنامج القبرصي بينان سيفان (Benon Sevan) الذي أتهم بتسلمه أكثر من 3.5 مليون دولار  في شكل رشاوي و الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي ظلت تلاحقه الشائعات بسبب حصول إبنه على عقد في إطار البرنامج المذكور، وقد شكلت الامم المتحدة لجنة خاصة بمتابعة قضايا الفساد المتعلقة ببرنامج النفط مقابل الغذاء برئاسة الرئيس السابق للخزينة الامريكية بول فولكر  وعن حجم الفساد الكبير تقول الصحافية الاستقصائية كلوديا روزيت "معظم المعونات التي وصلت العراق كانت متعفنة، الادوية كانت منتهية الصلاحية، الصابون كان رديئا و الطعام كان فاسدا و إستمر النقص حتى بعد سنوات من بيع النفط بمليارات  الدولارات". تشير جميع التقارير  إلى خلاصة واحدة "كسب الجميع و خسر الشعب العراقي".

      كما نشرت صحيفة التايمز  تقريرا جديدا تحت عنوان مثير يقول "كوادر الأمم المتحدة 'مسؤولون عن 60 ألف حالة اغتصاب خلال عقد واحد". إذ نشرت في صفحتها الأولى تقريرا يكشف عن أن أوكسفام قد عينت رونالد فان هورميرن، مديرا لفرعها في هايتي، (أصبح لاحقا في قلب فضيحة التعامل مع بغايا خلال عمل المنظمة بإغاثة ضحايا زلزال هايتي)، بعد عامين من طرده من منظمة إغاثة بريطانية أخرى بسبب مزاعم تتعلق باستخدامه لبغايا أيضا.

        قبل أسبوع من اليوم إحتفلت منظمة الامم المتحدة بمرور 70 عاما على تأسيس فهل إحتفل المنظمون بتأسيس منظمة عالمية تساعد على  نشر السلم و الامن العالميين أم إحتفلوا ببقاء النظام العالمي الجديد الذي تعتبر الدول الفائزة في الحرب العالمية الثانية قاطرته. أضف إليه ما قاله الامين العام للامم المتحدة منذ أيام " الحرب الباردة عادت بروح إنتقامية و بطريقة مختلفة أليات وضمانات إدارة التصعيد في الماضي إختفت اليوم و لا وجود لها" تصريح مرعب يجعل شبح حرب عالمية يتراى للعالم من جديد. فهل مازال يمكننا الاعتماد حقا على الامم المتحدة لحل هذه المشاكل أم أن الاوان لاقامة نظام عادل لا يأخذ بعين الاعتبار حربا إنتهت منذ 73 سنة؟.


mercredi 5 juillet 2017

في فيسبوك.. يصبح التافه عظيماً والمهم مغموراً

قبل أيام كتبت فتاة بسيطة وغير جذابة، على حسابها تدوينة تتضمن جملة من كلمتين باللهجة التونسية، هي "كليت تفاحة"، وتعني أكلت تفاحة، تهاطلت عليها التعليقات، فهذا يهنئ بهذا الإنجاز العظيم، وآخرون يتمنون الصحة والعافية، فيما اكتفى الآخرون بزرع قلب أحمر أو إعجاب عادي على تدوينتها العظيمة، بدا الأمر جميلاً وناعماً بين عائلة فيسبوكية لطيفة؛ لأن الشابة الفاتنة ردت بكل نعومة وحب على كل التعليقات. 

في المقابل، كتب صديق صحفي تحليلاً موضوعياً وجيداً يماهي فيه بين أزمة العقارات في أميركا سنة 2007 وبوادر الأزمة الراهنة في تونس، قرأت التحليل وسارعت إلى وضع إعجاب، بل وعلقت في حركة بدت سريعة لتشجيع الآخرين على الاهتمام بهذا التحليل، كنت مرعوباً من أن يتسللوا إلى تلك التدوينة المقيتة، وضعت تعليقي، انتظرت كثيراً قبل أن يباغتني "إعجاب" ثانية، لكنه مر وقت طويل قبل أن يضيع التحليل في متاهات الفضاء الافتراضي، عرفت حينها أن الأمر سيفشل، وهنا أشعلتُ أنا سيجارةً وتَسَمَّرْتُ أتابعُ الجريمة بِغَضَب، غضب ليس بسبب فشل التجربة، ولكن بسبب مجتمع يسير بخطى ثابتة نحو المجهول، فيما بقي تعليقي يتيماً وسط آلاف التدوينات التي تسبح على فيسبوك. 

لم تكن هذه القصة التي حدثت في فضاء مارك الأزرق سوى تلخيص لما يحدث في العالم، في وقت أصبح فيه فيسبوك مكاناً ليضع فيه سكان الأرض مشاعرهم وأفكارهم وحتى صورهم.

قبل حوالي تسعة أشهر قصف حي القاطرجي في حلب، تمكن الدفاع المدني من إخراج الطفل "عمران" من تحت الأنقاض، لم يكن متلقو صورة عمران الذي جلس مصدوماً دون بكاء ودون حركة تذكر أن يصبح لصورته شأن عظيم، في ذلك الوقت لم يجتمع رؤساء تحرير العالم على صورة مثلما اجتمعوا على صورة الطفل "عمران"، آلاف التقارير التلفزيونية وملايين التدوينات التي حملت هاشتاغ عمران، لكن الذي لا يعلمه كثيرون أن في مأساة سوريا فصولاً أكثر هولاً ورعباً من هذا الفصل، وأن شقيق عمران نفسه قد فارق الحياة في نفس القصف، وأن في سوريا مئات الآلاف من الضحايا قتلوا ويقتلون كل يوم، لكن لماذا بقي عمران في خاطرنا هو فقط من بين كل هذا الكم الهائل من الضحايا؟ 

في المقابل، رفض رئيس تحرير جريدة نيويورك تايمز نشر صورة لجثة رجل عراقي جراء قصف القوات الأميركية لمبنى وزارة الإعلام العراقية باليورانيوم المنضب إبان حرب الخليج. 

تجربة أخرى أكثر مرارة حول الدعاية السوداء التي استعملتها الإدارة الأميركية لحشد التأييد لغزو العراق عام 2001.

قصتان مختلفتان بل إنه من المستحيل المقارنة بينهما، لكن القصة الأولى إذا ركزنا قليلاً سنجدها تختفي في تفاصيل الثانية، ربما ليس الآن، ربما بعد سنوات، بعد أن أكد خبراء غربيون أن مستقبل الصحافة والتحكم في الرأي العام سيبدأ من مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن أصبح شخص عادي يمتلك عدد متابعين أكثر حتى من حساب قناة على مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد نشره لفيديوهات أو صور عن حياته الشخصية.

يصل عدد مستخدمي فيسبوك إلى ما يقارب المليارين، ثلاثون بالمائة من سكان العالم في مصيدة مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت كسوق موازية للصحافة، فيما سماها البعض "السلطة الخامسة"، سلطة خامسة قادرة على التأثير في ولو جزء صغير من الرأي العام العالمي، ومن ثم التحكم في جزء بسيط أيضاً من الذوق.

إلى أن تصبح السلطة الخامسة هي السلطة الأولى بعد عقود وربما سنوات، ها هي مراكز المال والقرار تعيد تنفيذ نفس الاستراتيجية التي علق عليها بعض الكتاب بقولهم: "يجعلون التافه عظيماً والمهم من الأمور مغموراً".

في مقابل هذه الحرب الضروس لا يزال المواطن العربي يجد صعوبة في استيعاب هذه الطفرة التكنولوجية والتعامل معها، حتى إن بعض المحاكم العربية لا تعتبر البريد الإلكتروني دليلاً، ولم تصدر حتى الآن قوانين لتنظيم كل ما هو إلكتروني من صحافة وتجارة.. ولا تتضمن مجالاتها العقابية أي عقاب لمخترقي الحسابات، أو ما يسمونه بالهاكرز، فيما يجهل أصحاب الحسابات الضخمة تماماً تأثير ضغطة زر لنشر شيء ما على حساباتهم.

بعد أشهر من الآن سيصبح حساب تلك الفتاة قِبلة للقطيع، نفس القطيع الذي ساهم في نشر صور عمران دون أن يسأل سؤالاً واحداً: لماذا اشتهرت هذه الصورة بالذات دوناً عن كل صور الدمار والضحايا في سوريا، وسيصبح عدد متابعيها بالآلاف، وتتمكن وقتها من امتلاك قوة تأثير في الرأي العام ولو ضئيلة، ويصبح لدى الجميع طموح في حصد أكبر عدد من الإعجابات فيجدون أنفسهم مضطرين إلى تقليده، وبهذا يصبح الفيسبوك دائرة مغلقة تبدأ بتدوينة بسيطة تافهة على فيسبوك؛ لتنتهي بانهيار ذوق مجتمع كامل.

في ذلك الوقت بالضبط سيصبح الجميع على نفس خط التمرذل؛ لتكون النتيجة "الذهاب بالمئات إلى المطار لاستقبال شخص مقيم في دولة أوروبية ينشر فيديوهات على فيسبوك يقول فيها كلاماً بذيئاً مثلما حصل في تونس قبل أشهر".
ملحوظة:
كي تبدا عندك افكار جميلة و حاولت مرات عدة انك تشوفها على ارض الواقع و ما نجحتش ..لوم على روحك صحيح ..اندب وجهك مثلا ...ضع سما بندقيا في قفاك ...دخن كثيرا من الزطلة....و لكن قبل ان تستقر رصاصات الاحباط في رأسك تذكر جيدا....تذكر انك حاولت في بلد اسمو تونس يتجول فيه الفشل في الشارع بقميص و شلاكة و يلقي التحية على الناس ... تذكر مثلا انك تعيش مع مجتمع تقولو "نخمم غدوة نقوم الصباح نشري خبز " يقلك "سيب عليك ...صعيبة عاللخر لحكاية ما ننصحكش" ...تذكر مثلا انو في تونس فمة شركات محترمة و كبيرة لتوة كي يدخلك تعمل entretien يسألك على équation و الا ratio عبارة انت لوجيسيال ....تذكر زادة ثمة مهنة في تونس اسمها كومينيتي ماناجر يخلصو قد مهندس معماري 3 مرات ....تذكر يا حبيبي ان عساس السبيطار اقوى من قائد عسكري على حدودنا الجمهورية ...و ان الفاسدين يقاومون الفساد و المارقين يسعون لاقامة النظام و المهربين فازوا بلقب البرجوازيين ..
انت حاولت و في بلد مثل تونس ...برة اكتبها في cv و سافر و قدم على عمل في المانيا و عندما يسألونك لماذا وضعت هذه الجملة " اشرح لهم condition...سوف يجعلونك تخوض غمار الانتخابات القادمة
قداكش طحان يا مارك جعلت الحياة و الاحلام و التمنيات سهلة على فايسبوك ..تحب تسافر...برة اكتب en voyage à و اختر المدينة التي تريد ...و سافر الى انحاء العالم ...كان ما صدقوكش 100 ..يصدقوك 20 ....تريد ان تصبح سعيدا فقط ...اكتب كلاما جميلا على exprimez vous و ستقنع الناس انك سعيد ...استعمل سمايلات غاضبة و ستصبح غاضبا و حزينا ...حتى انك تستطيع التعليق على بوستات باراك اوباما ...و كأنك جالس في فيناء بيته وهو يتحدث لمجموعة من الناس ...و انت قاطعت كلامه و قلت شيئا ...ذاك هو تعليقك ...ستسب ترامب كما تريد ..و باش يشوفها السبة تأكد...و الاهم. انك تستطيع ان ترسل قلبا احمر الى القديسو انجولينا جولي...و ان كان لك حظ جميل ستقبل رئيسة وزراء كرواتيا دعوتك للصداقة ...
و كي توفى الكونكسيون ....ستجد نفسك اما expresse و بعض السجائر ...و بريكية مصور فيها جمل